محمد بن جرير الطبري
522
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
على ذلك ، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده . والدليل على صحة ما قلنا في ذلك ، قيام الحجة بأن لا قول في معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرناها ، وأن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله : ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) ، إلا أحد المسجدين ، إما مسجد بيت المقدس ، وإما المسجد الحرام . وإذ كان ذلك كذلك = وكان معلوما أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام ، وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فيه = صح وثبت أن الذين وصفهم الله عز وجل بالسعي في خراب مساجده ، غير الذين وصفهم الله بعمارتها . إذ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية ، وبعمارته كان افتخارهم ، وإن كان بعض أفعالهم فيه ، كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم . وأخرى ، أن الآية التي قبل قوله : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ) ، مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم ، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم ، ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر ، ولا للمسجد الحرام قبلها ، فيوجه الخبر - بقول الله عز وجل : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ) - إليهم وإلى المسجد الحرام . وإذْ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه ، وهو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها ، إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلا إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك ، وإن اتفقت قصصها فاشتبهت . ( 1 ) فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك ، إذْ كان المسلمون لم يلزمهم
--> ( 1 ) أراد ابن كثير أن يرد ما ذهب إليه الطبري في تفسير الآية ، في تفسيره 1 : 285 / 287 وقال : " اختار ابن جرير القول الأول ، واحتج - بأن قريشا لم تسع في خراب الكعبة ، وأما الروم فسعت في تخريب بيت المقدس ، قال ابن كثير : والذي يظهر والله أعلم ، القول الثاني ، كما قاله ابن زيد . . . " ثم قال : " وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة ، فأي خراب أعظم مما فعلوا ؟ أخرجوا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم . . " ثم استدل بآيات من كتاب الله وقال : " ليس المراد بعمارتها ، زخرفتها وإقامة صورتها ، فقط ، إنما عمارتها بذكر الله وإقامة شرعه فيها " إلى آخر ما قاله . هذا الاعتراض من ابن كثير على أبي جعفر رحمهما الله ، ليس يقوم في وجه حجة الطبري على صواب ما ذهب إليه في تأويل الآية . والطبري لم يغفل عن مثل اعتراض ابن كثير ، ولكن ابن كثير غفل عن سياق تأويل الطبري . وصحيح أن ما كان من أمر أهل الشرك في الجاهلية في البيت الحرام يدخل في عموم معنى قوله : { وَسَعَى فِي خَرَابها } ، ولكن سياق الآيات السابقة ، ثم التي تليها ، توجب - كما ذهب إليه الطبري - أن يكون معنيا بها من كانت الآيات نازلة في خبره وقصته . والآيات السالفة جميعا خبر عن بني إسرائيل الذين كانوا على عهد موسى ، وتأنيب لبني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ما كان منهم لأهل الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تحذير لهم من أهل الكتاب جميعا ، يهوديهم ونصرانيهم ، وذكر لافتراء الفريقين بعضهم على بعض ، وادعاء كل فريق أنه هو الفريق الناجي يوم القيامة . ثم أفرد بعد ذلك أخبار النصارى ، كما أفرد من قبل أخبار بني إسرائيل ، فعدد سوء فعلهم في منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، ثم كذبهم على ربهم أنه اتخذ ولدا ، ثم قول بعضهم : { لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية } ، وأن ذلك شيبه بقول اليهود : { أرنا الله جهرة } ، ثم أخبر أنه أرسل رسوله محمدا بشيرا ونذيرا ، وأمره أن يعرض عن أهل الجحيم من هؤلاء وهؤلاء ، ثم أعلنه أن اليهود والنصارى جميعا لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وطريقهم ، في الافتراء على رب العالمين . فالسياق كما ترى ، بمعزل عن المشركين من العرب ، ولكن ابن كثير وغيره من أئمتنا رضوان الله عليهم ، تختلط عليهم المعاني حين تتقارب ، ولكن أبا جعفر صابر على كتاب ربه ، مطيق لحمله ، لا يعجله شيء عن شيء ما استطاع . فهو يخلص معاني كتاب ربه تخليصا لم أجده قط لأحد بعده ، ممن قرأ كتابه . وأكثرهم يعترض عليه ، ولو صبر على دقة هذا الإمام . لكان ذلك أولى به ، وأشبه بخلق أهل العلم ، وهم له أهل ، غفر الله لنا ولهم .